معظم الناس يتحركون ضمن دائرة مثالية بين بيتهم وعملهم .. يعيشون فى أرضٍ مسالمِة فيما وراء الخير والشر .. تُفزعهم بصدق رؤيةُ رجلٍ يَقتل .. لكن يكفى – فى الوقت نفسه – إخراجهم من تلك الارض الهادئة ليصبحون قَتَلة دون أن يعرفوا كيف. هناك اختبارات وإغراءات لا تخضع لها الإنسانية إلاَ بفواصل متباعدة من التاريخ .. ولا أحد يصمد امامها .. لكن الكلام عنها عبث تماماً.
الرغبة بالنظام تريد تحويل العالم الإنسانى إلى مملكة غير عضوية .. كل شئ فيها يسير وفق إرادة لا شخصية .. يعمل فى ضوئها كل شئ .. الرغبة بالنظام هى فى الوقت ذاته رغبة بالموت .. لأن الحياة خرقٌ دائم للنظام .. أو .. بالعكس .. الرغبة بالنظام هى الحجة الفاصلة التى يبرَرُ كرْهُ الإنسان للأنسان إساءاته عن طريقها.
لطالما أفزعنى أنَ الذين يتفرجون سيكونون مستعدين لتثبيت الضحية أثناء إعدامها .. لأن الجلاد أصبح مع الوقت شخصية قريبة وأليفة .. أما المضطَهَد ففيه شئ تفوح منه رائحةُ الأرستقراطية العفِنة .. أصبحت روحُ الجمهور التى كانت فى السابق تتماثل مع بؤس المضطَهَدين تتماثل اليوم مع بوس المضطَهِدين .. لأن مطاردة الإنسان باتت الآن تعنى مطاردة أصحاب الأمتيازات: أولئك الذين يقرؤون كتاباً أو يملكون كلباً.
ميلان كونديرا
ليس لدى كونديرا شخصيات شريرة وأخرى بريئة .. يتبادل الجميع الأدوار طوال الوقت .. الدكتور الذى يعالج النساء طوال الوقت .. ويُسَخِر من أجلهن خلاصة تجاربه واختراعاته .. يحقن من ليست مريضة منهن بحيواناتة المنوية ليخلق عالم من اشباهه .. ويحلم بأن يتبناه صديقه الأمريكى لتنفتح له آفاق العالم.
أستاذ التحليل النفسى .. السياسى الثائر الذى لفظته “الثورة” وعاقبته كعدو .. يتحول لقاتل فى النهاية .. دون أن يرتعش أو تؤلمه مبادئه التى إعتقد طوال الوقت أنها من أجل فائدة البشر .. ويكتشف فى النهاية أن كراهيته للبشر .. وإحساسه بالسمو عن الجميع .. هو ما كان يحركه طوال الوقت .. حتى عندما يتبادل الحب فى النهاية مع طفلته المدللة بالتبنى – إبنة رفيقة الذى أعدم ورباها شفقة وجميلاً لوالدها – ليس حباً أو إنجذاباً لها .. بل أيضاً شفقة وعطفاً عليها!!.
أما “روزيتا” .. معظم الناس .. فيموتون صدفة أو عمداً لا فرق .. بل وعقب أكثر لحظة سعادة مرت بها فى الحياة المريرة التى تحياها .. جاءتها الفرصة لإبتزاز العازف المشهور .. ونسبة طفل إليه رغم علمها بأنه لأخر .. تمسكت بها حتى اللحظة التى أحست للمرة الأولى أنها إنسانة يمكن أن تُحب دون إبتزاز .. دون عطف .. دون تنازل عن آدميتها.
لكن حتى كونديرا يجعل “الأمريكى” فى الرواية مصدراً لسعادة الجميع .. الغنى المحسن الذى يعيش ببذخ لكن ليس لنفسه فقط .. بل لكل من يدخل حياته .. بل واحياناً ما يفرض نفسه على الأخرين لنشر الفرح والسعادة بينهم.
كثيراً ما أجد نفسى فى مشاهد يرسمها كونديرا .. يعرف ما يدور بينى وبينها من حوار .. تناقض المواقف بين ما نؤمن به وما يجب عمله .. الصراع الدائر لكسر كل القواعد كسر النظام .. لكن من أجل إعادة خلق القواعد والنظام.
وفى النهاية ينتهى الصراع بمجرد العثورعلى التبرير المناسب للموقف .. أحياناً ” لأن المجموع عايز كده” .. وأخرى “حتى لا نضر بأخرين ليس لهم ذنب”.. ومرات “لا يجب تطبيق المثل العليا على النفس .. هذه مثالية مفرطة” .. وإذا لم تجد فهناك الحل الأخير “ما اقدرش أعمل إلا كده .. هو ده اللى اقدر عليه .. واللى شايف غير كده يتفضل“.
متهيأ لى إن البوست ما ينفعش ينتهى كده .. بس أعتقد محتاج أفكر شوية فى الموضوع .. يمكن بكرة أكمله.